جميع فلاسفة أوروبا اهتموا بالعدل و العدالة و بحثوا فيها و تكلموا عنها و حتى تظاهر بعضهم بالعدالة و لكن في الحقيقة لم تكن هناك ذرة من العدالة في روحهم و قلبهم.
فرنسا، تعتبر الدولة المبادرة إلى العدالة و الحرية وهي التي أنشرت منشورات حقوق الإنسان، و لكن فرنسا نفسها كيف عاملت مستعمرتها الجزائر؟ التي ناشدت الحكومة الفرنسية بأننا كنا أحراراً قبل الإستعمار و عشنا ١٥٠ عاماً تحت ظل الإستعمار الفرنسي و تلقينا الظلم و الأذى و هتك الحريات منكم فنطالب الآن بالحرية بعد كل هذه الجرائم.
جورج بيدو، رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، السوسيالي "الشيوعي" الذي يدعي بعدم صلاحية النظام الشيوعي، قبل بإعطاء الحرية للجزائر ( حيث أعطى الحرية و ذلك لأن المصلحة الفرنسية كانت تستلزم هذه العملية، لأنه أدرك أن الجزائر لن تخضع لسلطة فرنسا و لا يمكن الإستفادة منها)، انضم إلى مجموعة الجيش السري الفرنسي (OAS) (١٣)، و في تلك الأوضاع الراهنة التي انتشرت عمليات القتل فيها، حدثت قصة تاريخية عجيبة و التي تناقلتها اغلب الصحف آنذاك، و هي في يوم من الأيام و كان القحط قد ساد بالنسبة للمواطنين العرب غير الفرنسيين، و كانت امرأة كبيرة في السن تتجول الشوارع حول أماكن بيع الخبز تبحث في زوايا الشارع الذي يقع فيه محل بيع الخبز أملاً في إيجاد قطعة من الخبز، و كان أحد أفراد هذه المجموعة الخبيثة يتجول في نفس الحي فرأى المرأة العجوز في تلك الحالة فما لبث و أخرج سلاحه و أطلق النار عليها. هؤلاء هم الذين وقعوا على اتفاقية حقوق البشر !
و لقد كان رئيس الوزراء الهندي السابق "مهرو" متظاهراً بالعدالة نوعاً ما، على الأقل في نطاق التعامل مع المواطنين الهنود.
و على حد علمي، لم ير أحداً إيقاع الظلم من قبله على شعبه في الهند. و لكن العدالة لا تعرف أخاً أو صديقاً أو مواطناً. إذا كنا عادلين في تعاملنا مع أفراد العائلة فقط فلن تكون هذه العدالة عدالة صحيحة، و كذلك في نطاق الأصدقاء أو المواطنين و حتى أفراد الديانة الواحدة.
العدالة الحقيقية تكون بالنسبة لجميع أفراد البشر بلا اختلاف. و لكن مهرو الذي اشتهر بالعدالة و تظاهره بالعدل أمام مواطنيه، سجل نقطة سوداء في تاريخه في قضية كشمير.
و كما تعلمون فإن وجود مثل هذه المنطقة التي تكثر عليها الخلافات يرجع أصلها إلى الإستعمار الذي أصر على إيجاد مثل هذه الحالة في هذه المنطقة و التي تصل بين غرب و شرق باكستان، و ذلك لكي تدوم الخلافات بينهم و يظلوا دائماً في أمس الحاجة إلى اللجوء إلى الدول الإستعمارية.
و يشكل المسلمون أغلب سكان كشمير و لذلك يفضل معظم سكان هذه المنطقة الإلتحاق إلى باكستان كونها دولة مسلمة. و لقد اقترحت منظمة الأمم المتحدة بإجراء إستفتاء عام بين سكان كشمير لكي يحددون تابعيتها، و هذا يعتبر كلام في غاية العدالة. و لكن رفض مهرو هذا الإقتراح لأنه كان على علم بتوزيعة كشمير السكانية و كان يعلم أن معظم سكانها سوف يصوتون على الإلتجاء إلى باكستان فرفض الأمر و أصرّ على كلامه. فهل هذه تعتبر عدالة ؟ هل هذا حقاً إيمان بالعدل ؟
(١٣) أنشئت هذه المجموعة للتصدي عن إستقلال الجزائر، و وظيفتها الرئيسية كانت تتمثل في قتل الناس سواء من المدنيين أو الجنود.