مجلة العترة منهجية المجلة إرسال مقال الإتصال بنا    

2008-10-31

سيد عباس

Share

ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء السادس

أما الهدف الثاني من بعثة الأنبياء -كما ذكرنا- هو إفشاء العدل بين الناس و إقامة رابطة العدالة بين الأفراد. و يمكن أن يرفض أحداً بأن العدالة خاصة للأنبياء فقط، و يقول بأن البشر طالبوا بالعدالة منذ آلاف السنين، منذ عهد أفلاطون أو ما قبله (١٠)، حيث أول موضوع يبحث في كتاب "رسائل الجمهورية" لأفلاطون هو العدل و ماهيته و ضرورة وجوده في المجتمع البشري، و من ثم أرسطو فهو أيضاً أكد على التحلي بالعدالة و ضرورة وجود العدل كي يرتقي المجتمع البشري. و لكن أرسطو نفسه الذي يعتبر من نوابغ البشر تكلم بقول في العدالة صار خزياً و عاراً على البشر و الفلاسفة.
كان المجتمع اليوناني في عهد أرسطو و أفلاطون مجتمعاً أرستوقراطياً قائماً على مبدأ الأشراف و العبيد (١١). فكان المجتمع منقساً إلى قسمين:
القسم الأول: هم العلماء و الأشراف و الملوك و لديهم صلاحيات متعددة فيمكنهم إدارة المجتمع و التعلم و الاستمتاع بالحياة
القسم الثاني: هو قسم العبيد الذين سحبت منهم حقوقهم و الذين كانوا في خدمة القسم الأول من الناس و ليس لديهم أي من صلاحيات الأشراف لدرجة أن العالم أو الملك كان لديه الحق في قتل هذا العبد بدون أي سبب.
فيقول أرسطو (هذا الفيلسوف الكبير): هؤلاء الناس خلقوا عبيداً من الأساس فلا يمكنهم القيادة أو استلام الحكم و السلطة، عليهم فقط أن يخدموا الطبقة المترفهة، و على خلاف القسم الثاني فإن الأشراف خلقوا بهذه الطريقة، خلقوا لكي يكونوا مترفهين في الحياة، خلقوا ليستمتعوا بملذات الحياة و يقيموا الحكومات و السلطات على مزاجهم الخاص، أي في الأساس، لديهم الحق في تنظيم السلطة و القيادة.
و يضرب مثالاً لكي يثبت صحة قوله، فيقول: كيف تستخدمون البهائم لحمل البضائع و الأمتعة و تركبون عليها و تزعمون أنهم خلقوا لهذا الغرض (أي خلقوا بهائم في الأساس)، فالعبيد كذلك خلقوا عبيداً لخدمتنا نحن الأشراف. لاحظوا أن هذا الكلام هو كلام أحد كبار الفلاسفة في تاريخ البشر. فهل هذا هو معنى العدالة ؟! هل هذا يمثل العدالة و مبدأ المساواة بين الناس ؟!
اما العدالة من وجهة نظر الأنبياء أو الأئمة أو المؤمنين فهي مختلفة تماماً، عندما نلقي الضوء على حياة الإمام علي (ع) مع خادمه قمبر لن نلاحظ أي اختلاف في الحقوق بل إحسان و فضل من الإمام تجاه الخادم، حيث أن لقب هذا الإنسان هو خادم و لكن من الناحية العملية فهو في درجة عالية جداً من الإحسان و المعاملة الطيبة و في أرقى درجة من احترام لحقوقه الإنسانية. فعندما يذهب الإمام لكي يشتري لباساً، يختار اللباس الجميل ذو القماش الجيد لخادمه و يكتفي باللباس العادي لنفسه فيسأله قمبر لماذا تفعل هكذا يا مولاي؟ يقول له (ع): إنك شاب يجب أن تلبس لباساً جميلاً، تكون حسن المظهر، أما أنا فإنني كبرت في السن فلا يهمني من أن ألبس هنداماً جديداً أو قديماً.
العدالة من وجهة نظر العلماء و الفلاسفة مختلفة عن الأنبياء و الرسل و الأئمة، فهي مجرد فكر أو حقيقة عقلية بالنسبة للعالم. و سأضرب لكم مثالاً آخر من أرسطو، لقد سمعتم في الآونة الأخيرة أنه يوجد نظام سياسي باسم "فرّق تسد"، مبتكر هذا النظام هو أرسطو!
و القصة هي: عندما غزا الإسكندر المقدوني دول المشرق واجه مشكلة كبيرة في مسيرته و هي أنه عندما يفتتح بلدة و يريد الإنتقال منها إلى مكان آخر عليه أن يضمن ولاء هذه الحكومة له و لسلطته فلا يثيروا ضده و يفقد آثار تعبه في غزو هذه الأرض. فقام و أرسل استفتاءاً إلى أرسطو في يونان و سأله عن حل لهذه المشكلة.
فرد أرسطو بجواب بسيط، قال له: أنشئ عدة حكومات طائفية في هذه البلاد، أي إذا كان عدد السكان على سبيل المثال ١٠٠ مليون نسمة، أنشئ لهم ١٠٠ حكومة طائفية و لكل حكومة سلطان. فعندما تتوزع الأراضي على أكثر من سلطان، يعمل كل منهم على إثبات نفسه و قدرته أمام نظيره، فتتولد المشاكل بينهم و بما أنك أقوى منهم جميعاً سيلجأون إليك ليحلوا مشاكلهم و بهذا لن يثيروا ضدك أبداً. و طبقت الدول الإستعمارية هذا المبدأ بعد الحرب العالمية الأولى إثر إسقاط الدولة العثمانية فقسموها إلى عدة دول منها سوريا و العراق و لبنان و الأردن و مصر و غيرها. و نظموا لكل دولة كيانها الخاص و قالوا لهم إنكم أحرار في السلطة، و معناه أنكم كونوا أعداء بعضكم لبعض كي تتمزق روابطكم و تختفي شوكتكم، و لأنكم لستم أقوياء فعليكم اللجوء إلينا نحن المستعمرين في أوقات الشدائد، عليكم اللجوء إلى بريطانيا أو السوفييت (١٢) أو أمريكا.

(١٠) ولكن ليس لدينا كتاب من قبل أفلاطون
(١١) نود الذكر بأن العبيد في عهد الإسلام مختلف تماماً عن العبيد في العصور السابقة ففي الإسلام كان العبد يتمتع بجميع حقوقه الإنسانية و البشرية و لكن في السابق لم يكن لديهم الحق في أي شيء حتى في اتخاذ القرارات المتعلقة بشؤونهم الخاصة.
(١٢) لم تكن روسيا موجودة عندما ألقى الشيخ محاضرته فكانت دولة تسمى بالإتحاد السوفييتي




ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء الخامس
ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء الرابع
ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء الثالث
ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء الثاني
ترجمة محاضرات المطهري - العدل الإلهي - الجزء الأول
ترجمة محاضرات المطهري - مقدمة

  

نموذج إرسال تعليق

الإسم:
الدولة:
التعليق: